الشيخ محمد هادي معرفة
340
تلخيص التمهيد
الكلام عن الإحاطة بذكر تلك الأوصاف . وكذا قوله - بشأن أهل النار - : « وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ » « 1 » ، أي لرأيت أمراً فظيعاً لا تكاد تحيط به العبارة . ومنها : التخفيف ، لكثرة دورانها على الألسن ، كما في حذف حرف النداء في قوله تعالى : « يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا » « 2 » . ومنها غير ذلك حسبما فصّله علماء البيان ، فراجع « 3 » . إيجاز قصر وهو ما لا حذف فيه ولا تقدير ، سوى أنّه من قليل اللفظ كثير المعنى ، ويكون نضد الكلمات بحيث لا يوجد بينها لفظ زائد ، حتّى لو أزيل لفظ من موضعه أو رفعت كلمة أو أبدلت إلى غيرها لاختلّ المعنى وأفاد غير المقصود ، وهذا من البلاغة بمكان ، وقد يبلغ حدّ الإعجاز كما في القرآن . فممّا جاء منه قوله تعالى : « قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ . مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ . ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ . ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ . ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ . كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ » « 4 » . فقوله : « قُتِلَ الإنسَانُ . . . » دعاءٌ عليه . وقوله : « مَا أكفَره . . . » تعجّب من إفراطه في كفران نِعَم اللَّه عليه . قال ابن الأثير : ولا نرى اسلوباً أغلظ من هذا الدعاء والتعجّب ، ولا أخشن مسّاً ، ولا أدلّ على سخط ، مع تقارب طرفيه ، ولا أجمع للأئمّة ، على قصر متنه . ثم إنّه أخذ في صفة حاله من ابتداء حدوثه إلى منتهى أجله ومآل أمره ، فقال : « من أي شيءٍ خلقه » .
--> ( 1 ) . الأنعام : 27 . ( 2 ) . يوسف : 29 . ( 3 ) . معترك الأقران : ج 1 ص 305 - 308 . ( 4 ) . عبس : 17 - 23 .